لم تكن الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما قد أنهت يومها الثاني، حتى عاد الميدان الجنوبي إلى فرض إيقاعه على الطاولة. فقد تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مقتل جنديين وإصابة آخرين بانفجار وقع داخل مبنى في منطقة مجدل زون، قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي بدء غارات على جنوب لبنان، متهمًا "حزب الله" بارتكاب "خرق صارخ" لوقف إطلاق النار.
لم تصدر، حتى مساء الأربعاء، رواية مستقلة تثبت الجهة المسؤولة عن الانفجار، كما لم يعلن "حزب الله" تبنيه. لكنّ إسرائيل انتقلت سريعًا من الاتهام إلى الرد العسكري، فأصدرت إنذارًا لسكان المنصوري، ثم شنت غارات على مناطق لم تنذر سكانها، كما حصل في تبنين، حيث أعلنت وزارة الصحة سقوط شهيد و12 جريحًا في حصيلة أولية.
وجاء التصعيد الإسرائيلي مترافقًا مع تقارير إعلامية تحدثت عن خيارات تشمل تنفيذ عمليات "حساسة" في لبنان، بحسب ما نقلت هيئة البث عن مسؤول إسرائيلي، فيما كانت جولة جديدة من المفاوضات تعقد في روما، حيث وجد الوفد اللبناني نفسه مجدّدًا يطالب بوقف لإطلاق النار، كان يفترض أن يكون قد تكرّس في الاتفاق السابق الذي أطلق مسار المفاوضات، لكنه بقي عاجزًا عن تثبيت شرطه الأول.
هي مفارقة تتجاوز بالتأكيد حادثة أمنية يتيمة أو منعزلة. فالتفاوض القائم أصلًا موضوعه تنفيذ اتفاق ثابت منذ 26 حزيران. ومع ذلك، وجد لبنان نفسه يطلب هدنة جديدة كي يستطيع تنفيذ بنوده. فهل صار وقف إطلاق النار مرحلة تحتاج إلى تفاوض مستقل، بدل أن يكون القاعدة التي يقوم عليها المسار كله؟
اتفاق يحتاج إلى اتفاق آخر
يفترض أي مسار تنفيذي أن تكون القاعدة الأمنية مستقرة بما يكفي للانتقال إلى التفاصيل. وفي الحالة اللبنانية، يقوم اتفاق الإطار على تسلسل يبدأ بخفض الأعمال العسكرية، ثم يتيح انسحابات إسرائيلية وانتشارًا للجيش، وصولًا إلى توسيع سلطة الدولة ومعالجة ملف السلاح. لكن استمرار الغارات والتفجيرات الإسرائيلية جعل الخطوة الأولى نفسها موضع نزاع دائم.
لذلك كان الوفد اللبناني في مفاوضات روما يطلب ما يفترض أن يكون مكرّسًا قبل بدء مسار المفاوضات. من هذه الزاوية، لا يعني الطلب اللبناني لوقف النار 60 يومًا أن الاتفاق السابق انتهى، لكنه يكشف أن ضماناته التنفيذية لم تكن كافية. فالهدنة الجديدة لا تضيف بندًا سياسيًا مختلفًا، بقدر ما تحاول توفير البيئة التي كان يفترض أن ينشئها الاتفاق الأصلي.
هنا تصبح عملية التنفيذ مشروطة بتفاهم إضافي يمنع تعطيلها ميدانيًا. تضع هذه الحلقة المسار أمام خطر الدوران في مكانه. فكلما اقتربت المفاوضات من خطوة تنفيذية، أعاد حدث أمني أو رد عسكري النقاش إلى نقطة وقف النار. وإذا لم يُفصل بين تثبيت التهدئة والخلافات على بقية الملفات، فقد تتحول كل جولة إلى تفاوض على شروط بدء التنفيذ، لا على التنفيذ نفسه.
حادثة مثبتة ومسؤولية غير محسومة
بمعزل عن كل التفاصيل، ثمّة مفارقة لا بدّ من الوقوف عندها. فإسرائيل التي تخرق اتفاق وقف إطلاق النار بلا رادع، برّرت تصعيدها هذه المرة بـ"خرقه" من جانب "حزب الله". أما هذا الخرق، فبقي غامضًا وملتبسًا، الثابت هو أنّ انفجارًا أصاب قوة إسرائيلية داخل منطقة خاضعة لوجود عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان.
أما طبيعة الانفجار والجهة التي أعدته أو فعّلته، فبقيتا حتى مساء الأربعاء ضمن روايات إسرائيلية متباينة، لم يدعمها تحقيق مشترك معلن أو تبنٍّ من "حزب الله". لذلك لا يمكن التعامل مع اتهام الحزب باعتباره نتيجة مثبتة، حتى لو بنت إسرائيل ردها عليه، ولا سيما أن بعض الروايات الإسرائيلية تحدثت عن عبوة زُرعت في وقت سابق وبقيت غير مكتشفة.
تكتسب المسافة بين الحادثة والمسؤولية أهمية مضاعفة لأن الرد لم ينتظر آلية التحقق التي تبحثها الوفود أصلًا في روما، في مفارقة أخرى مثيرة للاهتمام. فقد انتقلت إسرائيل مباشرة من إعلان وقوع "خرق" إلى إنذار سكان بلدة لبنانية وشن غارات، وكأنّ ذلك حقها الطبيعي. وبذلك باتت آلية التحقق مطلوبة أيضًا لمنع أحد الطرفين من تحويل روايته المنفردة إلى أساس لعمل عسكري واسع.
هذا لا ينفي حق التحقيق في أي استهداف للقوات الإسرائيلية، ولا يعفي الدولة اللبنانية من مسؤولية منع العمليات المسلحة من أراضيها. لكنه يضع حدًا فاصلًا بين واجب التحقيق وحق إسرائيل الذي تمنحه لنفسها في الاتهام والحكم والرد في آن واحد. ومن دون هذا الفصل، تصبح آلية التحقق لاحقة للغارات بدل أن تكون وسيلة لمنعها.
وسيط يدير الجلسة ولا يضبط الميدان
وسط كل ذلك، تُطرح علامات استفهام عن الموقف الأميركي ممّا جرى، إذ تقدّم الولايات المتحدة نفسها بوصفها الجهة القادرة على جمع الطرفين ودفعهما نحو تنفيذ الاتفاق. وقد أكدت الخارجية الأميركية أن محادثات روما تهدف إلى تحقيق أمن دائم، وإزالة التهديدات لإسرائيل، واستعادة سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب. غير أن وقائع الأربعاء أبرزت الفارق بين إدارة التفاوض وضمان شروطه.
استطاع الوفد الأميركي تعليق الجلسة لإجراء اتصالات، لكنه لم يمنع الإنذار الإسرائيلي أو الغارات المتزامنة معها. كما أظهر تفهمًا للطلب اللبناني بتجديد وقف إطلاق النار، من دون أن يتحول هذا التفهم حتى الآن إلى التزام إسرائيلي قابل للقياس. وهكذا يصحّ القول إنّ الوسيط الأميركي نظّم الإيقاع الدبلوماسي، لكنّ إسرائيل كرّست مرّة أخرى احتفاظها بحرية تحديد الإيقاع العسكري.
تضع هذه المعادلة واشنطن أمام اختبار يتجاوز تقريب المواقف. فإذا كان الاتفاق يقوم على تلازم الانسحاب الإسرائيلي وخطوات الدولة اللبنانية، فإن استمرار العمليات الإسرائيلية يضعف قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، ويمنح إسرائيل سببًا للاعتراض على بطء التنفيذ. وبهذا المعنى، لا يمكن للوساطة أن تبقى محايدة بين مسار ترعاه ووقائع ميدانية تقوّضه.
ستون يومًا بوصفها نافذة تنفيذ
لا تبدو مهلة الستين يومًا هدفًا مستقلًا أو محاولة لشراء الوقت. الأرجح أنها تمثل طلبًا لبنانيًا لإنشاء نافذة تنفيذ محمية، تسمح بتحويل ما تحقق في المفاوضات إلى خطوات ميدانية لا تقطعها الغارات، وترتبط خصوصًا بتثبيت انتشار الجيش وتوسيع نموذج الانسحاب الذي بدأ في فرون وصريفا وزوطر الغربية.
طرح لبنان بنت جبيل أو الخيام منطقة نموذجية جديدة، لكن الجانب الإسرائيلي لم يوافق خلال جلسة الأربعاء. ويكشف الخلاف أن المشكلة ليست في غياب الأفكار التنفيذية، فهي مطروحة أصلًا، بقدر ما هي في غياب هدوء يتيح اختبارها. فانتشار الجيش في منطقة جديدة يحتاج إلى انسحاب واضح، وتسليم منظم، وآلية تحقق متفق عليها، وضمان ألا تصبح حادثة لاحقة مبررًا لاستعادة العمليات العسكرية.
لهذا تخدم المهلة غرضين مترابطين. الأول حماية انتقال السيطرة من الاحتلال إلى الدولة، والثاني إثبات أن الجيش قادر على تثبيت وجوده عندما تتوقف إسرائيل عن العمل منفردة داخل الأرض اللبنانية. أما منح لبنان مهلة مع استمرار الغارات، فلا يختبر قدرة الدولة، إذ يضعها أمام شروط لا تملك التحكم بها.
اتفاق لا يحتمل كل حادثة
في النتيجة، يكشف تصعيد الأربعاء أن اتفاق الإطار لم ينجح بعد في بناء قواعد لإدارة الحوادث التي تقع خلال التنفيذ. فإذا أدى كل انفجار إلى تعليق الانسحاب وعودة الغارات، لن يبقى الاتفاق مسارًا تدريجيًا، وسيتحول عندها إلى ترتيب مؤقت لا يصمد إلا في الفترات الخالية من الأزمات.
بهذا المعنى، تحتاج المرحلة المقبلة إلى قاعدة تمنع الربط الآلي بين أي حادثة ووقف جميع الالتزامات الأخرى. يمكن التحقيق في الخرق، وتحديد المسؤولية، واتخاذ إجراءات متناسبة عبر الآلية المتفق عليها، من دون أن يُمنح طرف واحد حق إسقاط التهدئة أو تجميد الانسحاب. فالاتفاقات لا تُختبر عندما يكون الميدان هادئًا، وإنما عندما تقع حادثة تهددها.
من هنا، لا ترتبط أهمية طلب الستين يومًا بمدته وحدها. الأهم هو السؤال الذي يطرحه على الوسيط والطرفين: هل يمكن تثبيت فترة لا تكون فيها التهدئة منحة قابلة للسحب عند كل تطور، أم سيبقى لبنان مطالبًا بتنفيذ التزاماته تحت تهديد عودة الحرب؟
الإجابة عن هذا السؤال مفصلية، لأن احتياج وقف إطلاق النار إلى اتفاق جديد كلما تعرض للاهتزاز يعني أن الخلل يكمن في بنية المسار نفسه، لا في عدد الأيام التي يمكن إضافتها إليه.
























































